أخبار عاجلة
الرئيسية / Uncategorized / د. الحسبان يكتب: عن مائدة الغرب العامرة بالخيرات واليتيم الأردني الذي انتظر قربها طويلا!

د. الحسبان يكتب: عن مائدة الغرب العامرة بالخيرات واليتيم الأردني الذي انتظر قربها طويلا!

هلرمنا- كتب أ.د. عبدالحكيم الحسبان – 

قبل أيام قليلة، جرى الإعلان عن قيمة المعونة الأمريكية للأردن، وحيث لفظة معونات هي المستخدمة غالبا وبما يوحي بضخامة حجم المساعدة التي يقدمها الصديق أو “الحليف” الأمريكي للأردن. في هذا العام لم تتجاوز المعونة الأمريكية ه سقف المليار دولار وستماية مليون. وعلى غرار السنوات السابقة، فإن الافتراض هو أن جزء مهما من هذه المعونة لن يصل إلى البنود المتعلقة برفاهية الأردنيين وصحتهم، بل يأتي على شكل عتاد عسكري يقدمه “الحليف” الأمريكي من مستودعات الناتو، ما يعني أن جزء يسيرا فقط من هذه المعونة يساهم في حل الضائقة المعيشية الطاحنة التي يعيشها الأردنيون منذ عقود.
منذ تأسيسه قبل قرن من الآن، كان الأردن جزءا من منظومة التحالف الغربي، وكان على الدوام جزءا من الذراع الغربي في المنطقة بل وما وراء البحار عندما كانت تقتضي الضرورة. في عقود التأسيس الأولى كان الأردن دائما إلى جانب الحليف البريطاني ولاحقا إلى جانب الحليف الأمريكي. وفي الصراع الغربي ضد الشيوعية كانت الدولة الأردنية بوضوح ضمن المنظومة الغربية واستطرادا الأمريكية، وفي مواجهة التيارات القومية واليسارية في المنطقة كانت الدولة الأردنية تصطف بوضوح إلى جانب المنظومة الغربية. وفي حروب الغرب اللاحقة في المنطقة العربية وخارجها كان ألأردن دوما في طليعة الحلفاء الموثوقين للغرب.
في جبال تورا بورا الأفغانية كنا بالسياسة والمعلومات جنبا إلى جنب، وكتفا إلى كتف، مع الحليف الأمريكي في حربه ضد “التطرف” الإسلامي، وفي غابات البوسنة والبلقان كنا هناك أيضا كتفا الى كتف مع “صديقنا” الأمريكي مساهمين نشطين في الهندسة الغربية واستطرادا الأميركية لعالم مع بعد سقوط المنظومة ألسوفييته. لا بل إن ساحات ظفار العمانية وتيمور الشرقية في إندونيسيا والعراق ودارفور تشهد كلها أننا لم نفترق ولو للحظة عن العم سام ولم نتخلف ولو للحظة عن تلبية نداء الحليف الأمريكي في سعيه لهندسة العالم وفق رؤيته ومصالحه.
بعد قرن من الزواج الأردني الغربي واستطرادا الأمريكي، وبعد عام ونيف من توقيع المعاهدة الأمنية الأمريكية-الأردنية، وبعد عقود من توقيع الأردن لمعاهدة صلح مع الكيان الصهيوني وانخراطه في عملية سلام رعاها وتبناها الأمريكي، تبلغ المعونة الأمريكية المليار ونصف المليار دولار. ويغدو من الضروري النظر والتمعن في هذا الحصاد المتأتي من العلاقة الأردنية الغربية، كما يغدو من الضروري التمعن في حجم الثمار التي جناها الأردنيون بفعل هذا الزواج الطويل لسياسات بلادهم مع الغرب وسياسته.
فبعد قرن من العلاقة من الغرب تتشابه المؤشرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية المتعلقة بالأردن، مع تلك المؤشرات والأرقام التي تسود في مجتمعات ودول تعيش في حالة حرب أهلية أو مع عدو خارجي، أو خرجت من حرب طاحنة للتو. فحبن تقترب المديونية من نسبة المئة بالمئة من مجمل الناتج القومي، وتقترب مستويات البطالة من الأربعين بالمئة من قوة العمل المؤهلة، ويعاني أكثر من ثلث السكان من الفقر المدقع، وتفيض السجون -على كثرة أعدادها واتساع مساحاتها- بالمحكومين والمدانين والمطلوبين، ويصل عدد من تشتمل عليهم سجلات المحاكم في قضايا جرمية وجنائية إلى حوالي المليون، ويتم تسجيل ما يصل إلى 200 حالة انتحار في العام الأخير, فإننا لا نقف بالتأكيد أمام اقتصاد يعيش في حال من السلام والأمن والأمان، بل نحن أمام مجتمع يعيش نظريا في حال من السلام، ولكنه يعيش في الوقع حالا أشبه بحال حرب واستطرادا حال حصار خانق.
أجزم أنه ليس من باب المفارقة أو الصدفة، أن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في الأردن الذي يفترض به أنه صديق للعالم الغربي، ووقع مؤخرا معاهدة أمنية مع الولايات المتحدة، ويعيش منذ سنين شراكة أمنية وعسكرية مع فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تشبه تلك الموجودة في الضفة الغربية المحتلة وفي غزة المحاصرة وهي كيانات ينظر إليها إسرائيليا على أنها كيانات معادية ويعيش معها الكيان في حال حرب، ويخضعها للحصار والتجويع. ليس من باب الصدفة، أن واقع الحال الاقتصادي والمعيشي في الأردن يشبه واقع الحال في الضفة وغزة المحاصرتين، فمتوسط دخل الفرد هنا بات يشبه تلك السائدة في الضفة وفي غزة.
في مقارنة الربح الذي يجنيه الأمريكي تحديدا والغربي عموما من مسار الصداقة الأردنية الغربية، تبدو الحصيلة الغربية هي أضعاف الربح الذي يحققه الطرف الأردني. بل أنني أجزم، أنه وفي البدايات كان الطرف الأردني وحتى سنوات التسعينيات من القرن الماضي يحقق بعض الربح المعقول في العلاقة مع الغرب، بحيث تمكن الأردن وفي سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات من توظيف تحالفه مع الغرب من بناء آلاف المدارس التي كان يحتاجها ولم تكون موجود، وبناء العشرات من الجامعات، ومئات المصانع والشركات، كما تمكن الأردن من توظيف علاقته مع الغرب لتطوير موارده البشرية التي باتت تشتمل على مئات آلاف الكوادر البشرية الممتازة في الطب والهندسة والعلوم بعد أن كان عدد من يقرؤون ويكتبون في سنوات التأسيس للدولة الأردنية لا يزيد عن المئات وربما العشرات.
إن مقارنة الربح الذي يحصده الطرف الأمريكي بحجم المعونة التي يقدمها الأمريكي للأردن مثير للضحك بل والغضب بالنظر إلى ضآلته مقارنة بذلك الحجم من المصالح التي يضمنها الأردن للصديق الغربي والأمريكي. فعلى مدى عقود ضمن الأردن بحكم إمساكه بالجغرافيا التي يسيطر عليها منظومة إقليمية شكلها الغربي والأمريكي وتضمن له حلفاء في المنطقة كما تضمن له مصادره الموثوقة في الطاقة. فعلى حدود الأردن الغربية، هناك مصالح أمريكية حيوية يضمنها الأردن، وعلى حدود الأردن الشرقية هناك خزانات للنفط والطاقة يحتاجها الغرب، كما أن هناك أسواق عملاقة يحتاجها الغرب لتصريف بضاعته، يضمن الأردن الأمن لها.
وفي النظر إلى معقولية الربح الذي يحقق الطرف الأردني في العلاقة من الصديق الأمريكي يجب النظر مثلا إلى ما حققه الكيان الصهيوني الذي نجاوره ونتشارك معه نفس الحدود، كما نتشارك معه نفس التحالفات، ففي حين أستثمر الغربي والأمريكي في اقتصاد الكيان ليصبح معدل دخل الفرد فيه يقترب من الأربعين ألف دولار سنويا، وفي حين استثمر الأمريكي في سنغافورة، كما في كوريا الجنوبية ناهيك عن اليابان وألمانيا لتصبح علاقة الولايات المتحدة مع هذه الأطراف هي علاقة تربط بين أطراف تتشارك الربح، فإن العلاقة الأردنية الأمريكية لا تبدو مطلقا علاقة مثمرة للطرف الأردني، بعد أن بات على الأردني أن يوظف نصف موارد ميزانيته السنوية كي يضمن ديمومة المنظومة الإقليمية التي وضعها الأمريكي وهي منظومة تنتج من التوترات والحروب وهجرات السكان قدرا كبيرا من الكلفة المادية.
لقد بات دافع الضرائب الأردني يدفع من جيبه كي يضمن استمرارية المنظومة الإقليمية التي يريدها الأمريكي، وبما يريح ويخدم مصالح الحليف الأمريكي. ففي حين تدفع الولايات المتحدة مليارا ونصف من المعونات، فان الأردن بات ينفق ما يصل إلى نصف ميزانيته ليضبط حدوده وليضبط تداعيات الحروب والصراعات التي يؤججها الحليف الأمريكي والعدو الصهيوني بدلا من أن ينفقها على التعليم والصحة والبيئة والثقافة. وفي مقابل مليارات كثيرة تذهب لمواجهة المتطلبات الأمنية الثقيلة، فإن مجمل ما تدفعه الخزينة على الجامعات الأردنية لا يزيد عن سبعين مليون دينار سنويا.
منذ قرن، ونحن نضع كل البيض الذي نبيضه في سلة حليفنا الغربي وتحديدا الأمريكي بل بتنا نقترض البيض من المحيط القريب والبعيد كي نضعه في سلة حليفنا الأميركي. وبتنا نحن من ينفق على تحالفنا مع الأمريكي بدل أن نفيد من هذا التحالف، وبدلا من أن نتشبه بالإسرائيلي في طريقة إفادته من علاقته مع الولايات المتحدة. لست من أنصار القطيعة مع الولايات المتحدة ولست من أعداء الغرب، بل أنني من أشد دعاة الانفتاح والتشبيك مع العالم كله بما فيه الغرب. بل إنني أردد دائما أن هناك الكثير من عناصر الغنى في الثقافة الغربية في الثقافة والسياسة والتقنية والعلوم والفلسفة لم نلامسها حتى ألان، ولم نعرف الإفادة منها، ولكني وبنفس القدر من الجزم لست من دعاة علاقات التبعية للغرب أو لأي دولة أو ثقافة في العالم.
في العلاقة مع الغرب ومع شعوب الأرض كلها، فان المنطق الذي ينبغي أن يسود هو التفاعل والتحالف من موقع الندية التي نملك مفاتيحها ومقوماتها، وليس من موقع التبعية.
العلاقة الأردنية الأمريكية باتت مكلفة للطرف الأردني، ولم تعد موازين القوى التي كانت سائدة في الماضي تحتم هذه العلاقة وعلى نفس النسق الذي هي عليه الان. فالأردن، لم يعد مضطرا أن يسير ويمشي إلى حتفه في تحالف مع الولايات المتحدة بات ينهكه اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا في حين أن موازين القوى عالميا وإقليميا لم يعد الأمريكي فيها هو السيد الوحيد والمتحكم، فموازين القوى العالمية والإقليمية وفي الجوار القريب تغيرت بل وانقلبت. ويكفي التمعن فيما يجرى في أوكرانيا منذ ثلاثة أسابيع وفي الضربة التي وجهها الحرس الثوري الإيراني لمركز الموساد في شمال العراق قبل ثلاثة أيام وفي الهجوم السيبراني المباغت الذي شل مواقع حكومية إسرائيلية قبل يومين لندرك خطورة وضع بيضنا وكل بيضنا في سلة الأمريكي الذي لم يعد السيد الحاكم الوحيد في العالم، ولندرك إن على صانع القرار الأردني أن ينوع في تحالفاته عالميا وإقليميا، وليدرك أن امتلاك مهارة توزيع البيض في سلال من يهيمنون على النظام العالمي والإقليمي الجديد الذي بات يتشكل هو أكثر ربحية، وأقل تكلفة على الأردن وطنا وشعبا وسلطة.

عن haremna

شاهد أيضاً

الصرايرة: لا أخوات لي متزوجات من عشيرة المتورط بالمخدرات

هرمنا الاخباري – عمان قال نائب رئيس الوزراء السابق و العين جمال الصرايرة بأنه لا …