سعد عبدالله: شركات التأمين تؤدي دورا مهما في تمويل الرعاية الصحية ويجب استدامتها
لا يجب ان يكون هناك ضغوط على شركات تؤدي دورا وطنيا

هرمنا نيوز
كتب سعد عبدالله
ملفنا اليوم من الملفات الاقتصادية والصحية المهمة في الأردن، وهو الخلاف القائم بين نقابة الأطباء وشركات التأمين الصحي، وتداعيات قرار وقف التعامل مع أربع شركات تأمين، وما يثيره هذا الملف من تساؤلات حول مستقبل التأمين الصحي الخاص، وكلفة العلاج، وحقوق المؤمن عليهم.
دعوني أبدأ من نقطة أساسية: شركات التأمين ليست مجرد جهة تدفع الفواتير الطبية، بل هي مؤسسات تتحمل مخاطر مالية، وتدير أموالاً يدفعها المواطنون والمؤسسات على شكل أقساط، مقابل التزامها بتغطية العلاج وفق شروط وثائق التأمين.
لذلك، فإن أي نقاش حول أجور الأطباء يجب ألا ينفصل عن السؤال الأهم: كيف نحافظ على نظام تأمين صحي قادر على الاستمرار، ويوفر التغطية للمواطن بأسعار معقولة، ويضمن في الوقت نفسه حقوق مقدمي الخدمات الطبية؟
من وجهة نظري، لا يجوز اختزال القضية في مطالبة شركات التأمين بالدفع، من دون مناقشة حجم الالتزامات، وآلية احتساب التعرفة، وأثرها على الأقساط، ومدى توافقها مع العقود المبرمة
يجب أن نفهم طبيعة عمل شركات التأمين.
شركة التأمين تحدد أقساطها بناءً على تقدير المخاطر والتكاليف المتوقعة، وحجم المطالبات الطبية، ونوعية التغطيات، والالتزامات المالية التي تتحملها تجاه المؤمن عليهم.
وعندما ترتفع كلفة الخدمات الطبية، فإن هذا الارتفاع لا يبقى بالضرورة محصوراً داخل الشركة، بل قد ينعكس على أقساط التأمين عند تجديد الوثائق، أو على شروط التغطية، أو على قدرة الشركات على تقديم منتجات تأمينية بأسعار تنافسية.
وهنا تكمن أهمية التوازن.
لا يمكننا المطالبة بأجور أعلى بصورة منفصلة عن دراسة الكلفة الإجمالية للعلاج، ولا يمكننا أيضاً تحميل المواطن تلقائياً أي زيادة من دون بيان أسبابها وحجمها وأثرها.
المطلوب أن تكون أي تعديلات على التعرفة الطبية مبنية على بيانات واضحة، ودراسة اقتصادية، وحوار بين الأطراف المعنية، مع تقييم أثرها على المواطنين والشركات والمؤسسات التي توفر التأمين لموظفيها.
فإذا ارتفعت الأقساط إلى مستويات لا تستطيع بعض الأسر أو المؤسسات تحملها، فإننا نكون أمام مشكلة أوسع من مجرد خلاف على الأتعاب؛ نكون أمام تحدٍ يتعلق بإمكانية الوصول إلى التأمين الصحي نفسه
إذا ارتفعت المطالبات الطبية الفعلية بصورة تفوق التقديرات التي بُنيت عليها الأقساط، فقد تحتاج شركات التأمين إلى إعادة تقييم أسعار منتجاتها عند التجديد، وفق الشروط والضوابط المعمول بها.
لكن من غير الدقيق القول إن كل زيادة في أتعاب الأطباء ستؤدي تلقائياً إلى زيادة محددة في الأقساط، لأن ذلك يعتمد على حصة الأتعاب من إجمالي المطالبات، ومعدلات استخدام الخدمات الطبية، والتكاليف الأخرى، وحجم المخاطر المؤمن عليها، وكفاءة إدارة المطالبات.
ولهذا أقترح نشر دراسة مشتركة توضح أثر تطبيق لائحة أجور الأطباء على إجمالي الفاتورة الطبية، وعلى أقساط التأمين للأفراد والشركات.
إذا أظهرت البيانات أن هناك زيادة كبيرة في الكلفة، فيجب البحث عن وسائل للحد من الهدر وتحسين الكفاءة، بدلاً من نقل الأعباء مباشرة إلى المواطن.
وإذا أظهرت أن الأثر محدود ويمكن استيعابه، فيجب أن يكون ذلك واضحاً أيضاً.
المهم ألا تُدار هذه القضية بالانطباعات، بل بالأرقام
في النهاية، أريد التأكيد أن الدفاع عن شركات التأمين ليس دفاعاً عن رفض دفع المستحقات، ولا عن تحميل الطبيب أو المواطن أعباء غير عادلة
إنما هو دفاع عن مبدأ اقتصادي أساسي: يجب أن تكون الالتزامات المالية واضحة، والتعرفة قابلة للتطبيق، والمطالبات قابلة للتدقيق، والأقساط متناسبة مع المخاطر والكلفة الفعلية.
شركات التأمين تؤدي دوراً مهماً في تمويل الرعاية الصحية، وأي خلل في استدامة هذا الدور قد ينعكس على المواطنين والمؤسسات والقطاع الصحي بأكمله.
ومن هنا، فإنني أرى أن وقف التعامل والتصعيد الإعلامي لن يكونا بديلاً عن الحلول المؤسسية، وأن المصلحة الوطنية تقتضي الوصول إلى اتفاق يحمي حقوق جميع الأطراف



