مقالات
د.سامي الختاتنه – السردية الأردنية قصة وطن

هرمناالاخباري – الدكتور سامي محسن الختاتنه
السردية الأردنية… حين يصبح الوطن قصةً تُروى ليست السردية الأردنية كتاب تاريخ نُعيد فتحه ولا هي بياناً سياسياً يُلقى في مناسبةٍ ثم يطويه الغبار.
السردية الأردنية هي قصة وطن قصة تُكتب بالروح قبل الحبر وبشهادات الناس قبل وثائق الأرشيف قصة تتجمع خيوطها من سهول الشمال ووديان الجنوب وصوت المؤذن في قريةٍ صغيرة، وأجراس الكنائس في احدى قرى الكرك وخطوات جنديٍ يحرس الليل على الحدود.
إنها الحكاية التي تقول:
إن هذه الأرض لم تكن طارئةولا شعبها كان عابراً. حكايةٌ تبدأ من جذورٍ ضاربةٍ في القدم من الإنسان الأول الذي ترك بصمته على صخور وادي الحسا وتمتد عبر ممالك الأنباط والعمونيين والمؤابيين ثم تمرُّ بثراء الحضارات التي عبرت هذه البلاد وتركت في ترابها أثراً ومعنى. السردية الأردنية ليست فقط تاريخا بل إنها وعيٌ بالذات.
هي تلك اللحظة التي يدرك فيها الأردني أنه ابن تجربة ممتدة وأن الدولة التي يعيش تحت ظلها اليوم لم تُبنَ صدفة بل بعرق الجنود وصبر الأمهات وصلابة العشائر، ورؤية قياداتٍ جعلت من هذه الأرض واحة استقرار في إقليمٍ مضطرب.
وهي أيضاً قصة الناس الذين لا تلتقطهم الكاميرات:
المعلم الذي حمل المدارس في روحه الفلاح الذي روّى الأرض بعرقه و الجندي الذي يسهر ليلاً كي يستيقظ الوطن آمناً والمثقف الذي كتب ليحمي الوعي من الضياع.
هؤلاء جميعاً هم أبطال السردية ولو لم تُكتب أسماؤهم في سجلات رسمية. السردية الأردنية هي محاولة صادقة لنسج رواية جامعة تحفظ للذاكرة كرامتها وتبني للأجيال رؤية واضحة لما يعنيه أن تكون أردنياً.
هي مواجهة النسيان ومقاومة التشويه وترميم الصورة الكاملة للوطن كي تظهر كما هي: دولةٌ صغيرة في الجغرافيا لكنها كبيرة في العدالة وفي الدور وفي القدرة على النهوض من كل ظرف.
إنها رواية لا تُكتب بلغة المنتصر والخاسر ولا بلغة الفخر الأجوف بل بلغة الحقيقة.
حقيقة الأردن الذي وُلد من ثورةٍ نهضوية وتشكّل من تضحيات الرجال واستقرّ لأن أبناءه كانوا أكبر من خلافاتهم وأعمق من حدودهم، وأشدّ بأساً من العواصف التي مرّت بهم.
السردية الأردنية هي أن ننظر إلى بلدنا ليس كخارطة بل كمسيرة. ليس كحاضرٍ معزول بل كتراكم أجيال. وهي أن نتذكر دائماً أن الدول لا تُحكى فقط بالأحداث بل بالمعاني التي تحملها تلك الأحداث.


