سوق العقبة القديم مئة عام من الذاكرة والتجارة المتوارثة

هرمنا ـ من قلب مدينة العقبة، تفوح رائحة الزمن الجميل الممزوجة بعبق تاريخ الأدوات القديمة والخشب العتيق والمعادن التي حملت حكايات السنين، هناك تستقر في الزوايا تفاصيل من الماضي وكأن كل قطعة معروضة تحكي قصة.
هناك فقط في “الأسواق العتيقة”، لا تعرض البضائع وحسب، بل تستعاد معها الذكريات وتصان روح المكان، هي ليست مجرد أماكن للبيع والشراء، هي حكاية وإرث يعكس تاريخ المدينة ويختصر حكايات أهالي العقبة وتقاليدهم. ورغم تشابه البضائع في السوق وتداخل ألوانها وجمالها، إلا أن ما يميز السوق، هو علاقة التجار ببعضهم البعض إذ تجمعهم الألفة والمودة منذ بداية يومهم وحتى نهايته، فيفتحون أبواب محالهم جنبًا إلى جنب ويغلقونها بروح واحدة.
وعلى الرغم من هذا التشابه، يبقى لكل تاجر بصمته الخاصة وزبائنه الذين يقصدونه بثقة ومعرفة، يقف سوق العقبة القديم شاهداً على تاريخ عريق يمتد لأكثر من مئة عام، حيث ما تزال ملامح المكان تحكي قصة مدينة عشقت التجارة واحتفظت بأسواقها الشعبية التي شكلت جزءاً أصيلاً من حياتهم اليومية.
(2).jpg)
وخلال جولة في أزقة السوق الضيقة، يستقبل الزائر باب السوق القديم الذي يقود إلى عالم من الروائح العطرة المنبعثة من محال العطارة والبهارات، حيث تتراص الأكياس المملوءة بالأعشاب والتوابل، وبعضها ما يزال يحضر ويخلط يدوياً وفق وصفات تقليدية توارثها التجار عن آبائهم وأجدادهم.
وقال صاحب إحدى محال العطارة في السوق محمد الخضري إن عمر المحل ما يقارب مئة عام، إذ يعود تأسيسه إلى بدايات نشأة السوق، مشيرا إلى أن المهنة توارثتها العائلة جيلا بعد جيل، حيث ورث الأبناء العمل والعطاء عن الآباء والأجداد.
وأضاف أن للمحل زبائنه الذين يقصدونه من مختلف محافظات المملكة، بل ومن خارجها أيضًا، لما يحمله من سمعة عريقة وتاريخ طويل في هذا المجال. وأكد أنه ما يزال يحتفظ بأدوات أجداده القديمة حرصًا على صون هذا الإرث، إلى جانب سرٍ خاص في صناعة التوابل التي اشتهرت بها العائلة، إضافة إلى بيع أنواع من الأعشاب العلاجية.
.jpg)
وأضاف أنه ما زال يحافظ على الطريقة التقليدية في البيع والتعامل مع الزبائن.
ويؤكد التاجر فضل البابا، أن السوق حافظ على العادات والتقاليد التجارية القديمة التي تميزه عن الأسواق الحديثة، من حيث أسلوب عرض البضائع والاعتماد على الجودة والثقة المتبادلة مع الزبائن.
وأضاف البابا أنه يحرص على بيع التوابل والأدوات التراثية والتمور ومختلف أصناف العطارة، مشيرا إلى أن السوق يستقطب زبائن من داخل المملكة إلى جانب زوار عرب وأجانب يقصدونه لما يحمله من طابع تراثي مميز. وأكد أنه ما زال متمسكا بطريقة البيع التقليدية التي ورثها عن الآباء والأجداد، محافظا بذلك على روح السوق القديمة وأصالته.
(2).jpg)
وفي أحاديث مع رواد السوق القديم، قالت رباب موسى “أم محمد”، أنها تحرص على زيارة السوق باستمرار، لما يتميز به من تنوع في البضائع وجودة في المنتجات، مؤكدة أن التوابل والأعشاب التي تُباع فيه تحمل نكهة خاصة لا تجدها في الأسواق الحديثة.
وأشارت إلى أن علاقتها مع التجار تمتد لسنوات طويلة، حيث اعتادت شراء احتياجاتها منهم بثقة ومعرفة، في أجواء يسودها الود والألفة.
ويقول المواطن خالد الخوالدة، أفضل شراء بعض المستلزمات البيتية من هذا السوق لما يحمله من طابع تراثي مميز، إضافة إلى ثقته بالبضائع المعروف مصدرها وجودتها، مشيرا إلى أن أكثر ما يلفت نظره في السوق طريقة العرض التقليدية على الرفوف الخشبية القديمة، التي تمنحه روحاً خاصة تعيدنا إلى سنوات مضت.
(2).jpg)
ورغم التطور العمراني الذي شهدته المدينة، لا يزال سوق العقبة القديم يحافظ على هويته التاريخية، ليبقى معلماً تراثياً وسياحياً يعكس أصالة المكان ويجسد استمرارية المهن التقليدية التي صمدت أمام تغير الزمن، حاملةً معها حكايات التجار وذكريات وإرث المدينة.
بترا



