حين يُصبح العَلم مُجرد قِماش

هرمنا – بقلم الأستاذ الدكتور أحمد التميمي
ليس أخطر على الأوطان من لحظة يتحوّل فيها العلم من رمزٍ حيّ إلى مُجرد قِطعة قماش تُرفع بلا معنى، فالعلم في جوهره، ليس لوناً وشكلاً، بل خُلاصة تاريخٍ طويل من التضحيات، وتجسيدٌ لهوية وطن، وعنوانٌ لسيادته.
فهو الرمز الذي تختزل فيه الدولة ذاكرتها، ويجد فيه المُواطن معنى الانتماء، لذلك فإن التعامُل معه بوصفه تفصيلاً بروتوكولياً أو مظهراً شَكلياً يُفقده جزءاً كبيراً من قيمته، ويحوّله إلى حُضورٍ فارغ لا يَعكس ما ينبغي أن يمثله.
من الراية إلى الدولة:
لم يولد العَلم بصورته الحديثة دُفعة واحدة، ففي العصور القديمة، لم يكن سِوى رموز تُرفع على الأعمدة أو تُجسّد في تماثيل، كما في الحضارة الرومانية، وفي العصور الوسطى، برزت الرايات كوسيلة لتمييز الجيوش في ميادين القتال.
أما في العَصر الحديث، فقد أصبح العلم عنوان الدولة ذاتها، وارتبط بمفاهيم الاستقلال والسيادة، ولم يَعُد مجرد وسيلة تعريف، بل تحوّل إلى رمزٍ يُختزل فيه الوطن بكل مكوناته، وفي السياق العربي، لم تكُن هناك أعلام وطنية بالمعنى الحديث في العُصور الإسلامية، بل رايات ذات دلالات سياسية وعسكرية، ومع الثورة العربية الكبرى، تبلورت هُوية بصرية جامعة استندت إلى ألوان تحمل دلالات تاريخية عميقة، وأصبحت لاحقاً أساساً لمُعظم الأعلام العربية.
ومن هذا الإرث، استُلهم العلم الأردني، الذي يجمع بين البُعد التاريخي والرمزي، ويعبّر عن هُوية وطنية مُتجذرة في التاريخ العربي الحديث.
بين المعرفة والتجربة:
في مناهجنا التعليمية، يُقدَّم العلم غالباً من خلال شرح ألوانه ورموزه، وهو أمر مُهم، لكنهُ غير كافٍ، فالمعرفة وحدها لا تبني انتماءً، ما لم تتحوّل إلى تجربة حيّة، وفي هذا السياق إن المطلوب هو الانتقال من الحِفظ إلى الفَهم، ومن الوَصف إلى المعنى، لكي يدرك الطالب أن العَلم ليس مُجرد تصميم، بل قِصة وطن، ومسار شعب، وتعبير عن قيم وتضحيات، فحين يرتبط العلم بالتاريخ، وبالواقع، وبحياة الناس اليومية، يصبح أكثر من رمز؛ يصبح جزءاً من الوعي الجمعي، وعُنصراً فاعلاً في تشكيل الهوية الوطنية.
مشاهد من الواقع:
في تجربة شخصية خلال فترة عمل أكاديمي في الدنمارك، كان لافتاً حضور العَلم في الحياة اليومية للناس، حيث يُرفع على شُرُفات المنازل بشكل اعتيادي، ويُستخدم في مُناسبات شخصية، دون أن يَرتبط ذلك بحدثٍ رسمّي.
ذلك الحضور لم يكُن مظهراً شكلياً، بل تَعبيراً طبيعياً عن انتماء داخلي راسخ، يجعل من العلم جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، لا مُجرد رمز موسمي يظهر في المناسبات.
في المقابل، قد نُصادف في بعض مؤسساتنا غياباً لهذا الحُضور، أو وجود العلم في حالة لا تليق بمكانته. وهو ما يشير إلى حاجةٍ ماسة لمُراجعةٍ أعمق، لا تتعلق بالأفراد بقدر ما ترتبط بالمنظومة التربوية والثقافية والإعلامية.
فالمشكلة ليست في رفع العلم من عَدمه، بل في المعنى الذي نحملُه له، وفي درجة حضور هذا المعنى في وعينا وسلوكنا.
نحو تعزيز المعنى:
إن تعزيز مكانة العَلم لا يتحقق بمُجرد رفعه، بل بترسيخ معناه في الوعي، وهذا يتطلب دوراً تكاملياً بين التعليم، والإعلام، والمؤسسات الثقافية، في ربط الرموز الوطنية بالقيم والتاريخ والواقع.
إننا نحتاجُ إلى أن نُعيد تقديم العَلم بوصفه قصة وطن، لا مجرد رمز، وأن نربطه بحياة الناس، بحيث يصبح جزءاً من تجربتهم اليومية، لا مادّة محفوظة في الكتب، فالانتماء الحقيقي لا يُبنى بالشعارات، بل بالفهم والتجربة، وبإدراك أن هذا العلم يُمثل الجميع، ويحمل في طياته ذاكرة وطن بكل ما فيها من تحديات وإنجازات.
ختاماً:
يبقى العلم أكثر من رمزٍ بصري؛ هو تعبير عن روح وطن، ومرآة لهوية شعب.
وحين ننجح في استعادة مَعناه الحقيقي، نكون قد خطونا خطوة أساسية نحو ترسيخ الانتماء وتعزيز الوعي الوطني.
يُرفرفُ العَلمُ لا قماشًا نراهُ .. بل روحُ شعبٍ على السماءِ تَسامى


